Elmessiri Culture official website | Members area : Register | Sign in
الموضوع ياخذ الكثير ولكن أجره

مقالات نشيطة

مفكرون يشيدون بإنجازات الراحل المسيري

الأحد، 3 مارس 2013

أشاد عدد من المفكرين والكتاب العرب بإنجازات المفكر المصري عبد الوهاب المسيري الذي ووري الثرى اليوم مخلفا وراءه منجزا فكريا ضخما، من معالمه موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. وفيما يلي مقتطفات من شهادات استقتها الجزيرة نت حول رحيل المسيري.

فهمي هويدي
كان المسيري شخصية كبيرة ذات مكانة كبيرة في الإدراك العربي من خلال مساهماته الثقافية والنقدية المتنوعة، والتي امتدت إلى القصة القصيرة. عرف الراحل بدفاعه عن الهوية العربية في وجه المد الغربي.

من الصعب أن نرى شخصا واحدا بإمكانه أن يملأ الفراغ الذي تركه المسيري.

لم يكن الراحل موسوعيا فقط بل كان مهموما بقضايا أمته وشارك بجهده في النضال الوطني ليكون بذلك نموذجا للمثقف الذي يخرج من برجه العاجي ليشارك في المظاهرات وليقود حركة التمرد في الشارع.

المقرئ أبو زيد
وقع خبر وفاة المفكر العربي الكبير علي كالصاعقة وأظن أنه نفس الوقع على كل من يقدر علم هذا الرجل الذي تميز بثلاث ميزات لا تكاد تجتمع لأحد وقلما تتوفر للكثيرين واحدة منها.

أما الأولى فإنه مفكر منهجي بامتياز حيث طور النماذج التفسيرية والتحليلية سواء في أبحاثه في الصهيونية أو أبحاثه في العلمانية أو دراسته في النقد الأدبي.

وأما الخاصية الثانية فهي الترابط المنهجي بين مجالات بحثه المتباعدة نظريا فمدخله إلى الصهيونية كان دارسته الأدبية ومن الصهيونية وصل إلى العلمانية ثم إلى ظاهرة التحيز.

أما الخاصية الثالثة فقد كان مفكرا أكاديميا مناضلا يناضل بأكاديميته, فهو من حطم بامتياز هذا الشرخ بين الأبراج العاجية للبحث وبين النضال السياسي على أرض الواقع، مصححا بذلك خللا فظيعا في وضعنا العربي الراهن وهو أن النضال السياسي يبدو خصما للبحث العلمي الأكاديمي.

وقد وصلت نضاله مداه من مواجهة الصهيونية مرورا بمواجهة العولمة وانتهاء بالانخراط في الحركة المصرية للإصلاح والتغيير (كفاية)، مخلفا وراءه تراثا فكريا وأكاديميا ونضاليا سيبقى مرجعية ومنارة لأجيال عربية وإسلامية.


راشد الغنوشي
كان نبأ حزينا نبأ وفاة صديقنا العزيز الدكتور عبد الوهاب المسيري رغم أن أخبار مرضه كانت معلومة عند أصدقائه لكن مصيبة الموت تمثل صدمة ولا شك.

مثل الراحل عنوانا لمدرسة التجديد أو ما سماه بالمدرسة التجديدية الحديثة في الفكر الإسلامي إذ إنه أعاد الاعتبار للفكر الفلسفي وسط فكر إسلامي فشا فيه التسطيح إلى حد التكفير تحت عنوان زائف من السلفية.

كان للمسيري مشروع متعدد الأبعاد وحاول أن يخرج الفكر الإسلامي من المستوى النظري إلى المستوى الميداني، ومن التحزب الضيق إلى اللقاء بين المدارس الفكرية المختلفة.

انفتح على الفكر العالمي ناقدا للحداثة وما بعد الحداثة وناقدا وأديبا طور الدراسات الأدبية العربية وحاول الانتقال بالفكر الإسلامي إلى ميدان النضال مع التيارات الأخرى، فلم يكن عجبا أن انتهت إليه رئاسة حركة كفاية.

عماد فوزي شعيبي
هذا الرجل كان علامة بامتياز وقضى عمره وهو يبحث في موضع شائك وأتم موسوعته التي ستبقى منارة للأجيال المقبلة لتجاوزها أوهاما يحاول الإسرائيليون زرعها في العالم وفي منطقتنا العربية، وفقدانه له الأثر الكبير في وجدان كل الذين عملوا على مناهضة الصهيونية.

بلال الحسن
عبد الوهاب المسيري مفكر كبير متنوع المواهب بدأ حياته الفكرية ماركسيا في المرحلة الناصرية والأكاديمية متخصصا في الأدب الرومانسي في الجامعة الأميركية. عاد المسيري من تجربته الأميركية بتحول فكري كبير حيث ابتعد عن الماركسية لينخرط في المدرسة الوسطية بمصر.

في عام 1972 كتب المسيري كتابا بعنوان "نهاية التاريخ" والطريف أنه جاء قبل 28 عاما من تأليف المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما لكتاب يحمل نفس العنوان. لكن الفرق بين النظرتين أن رؤية فوكوياما تعتبر أن نهاية التاريخ تعني انتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي، بينما يرى المسيري أن نهاية التاريخ فاشية اخترعتها الدول الغربية للسيطرة على العالم.

كرس المسيري نحو ربع قرن لتأليف موسوعته عن اليهود واليهودية إلى جانب زهاء عشرين كتابا حول نفس الموضوع ليصبح بذلك من الخبراء والعلماء العرب حول اليهود واليهودية.

إلى جانب إسهاماته الفكرية لم ينس المسيري دوره السياسي في مجتمعه حيث اختاره الشباب أمينا عاما لحركة كفاية ليكون بذلك تجسيدا للمثقف الذي لا يريد البقاء منعزلا عن مجتمعه.
المصدر:الجزيرة

كامل رحومه يروي علاقة المسيري بدمنهور

السبت، 24 سبتمبر 2011

كامل رحومه أحد تلامذة الدكتور عبد الوهاب المسيري المقربين يروي علاقة المسيري بدمنهور بحضور الاعلامية الكبيرة سوزان حرفي احدي تلميذات د.عبد الوهاب احدي تلميذاته والدكتور محمد جمال حشمت مقدم البرنامج



الإنسان والشيء




د.عبد الوهاب المسيري:

حن نعيش في عالم يحوّلنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمسة، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون. ولنضرب مثلاً بالـ تي-شيرت الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضـي لسـتر عورة الإنسـان ولوقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة الـ تي-شيرت بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/ المادة، ثم تُوظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال) وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن الـ تي شيرت أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.


ويمكن قول الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو برئ، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه وتصبغ وجدانه، شاء أم أبى. فإن قَطَنَ الإنسان في منزل بُنيَ على الطراز المعماري العربي والإسلامي فلا شك أن هذا سيزيده من ثقة في نفسه واعتزازه بهويته وتراثه. ولكننا لا نرى في كثير من المدن من العالم الإسلامي أي مظاهر أو آثار للرؤية العربية الإسلامية (إلا في المسجد) وبدلاً من ذلك أصبح المنزل عملياً وظيفياً، يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية، أي أنه مثل الـ تي شيرت أصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق. وأثاث هذا المنزل عادةً وظيفي، يلفظ أية خصوصية باسم الوظيفية والبساطة، ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية (الرؤية المادية تفضل البساطة على الجمال المركب، ومن هنا عبارة "خليك طبيعي").ـ







ونفس الشيء ينطبق على طعام التيك أواي أو السفاري، هو الآخر يعيد صياغة وجدان الإنسان. الناس هي التي تُعد طعامها بنفسها، ثم يتناولونها سوياً. هذا ما كان سائداً في كل أرجاء العالم بما في ذلك الغرب. أما ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، ويأكله المرء وهو يسير أو يجري، فهذه ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولابد أن نتنبه إلى الرؤية الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي، مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة.

إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأتنس بغيره. ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا" (أي سوياً) تشير إلى مجموعة القيم هذه. وأنا لست من الغباء بحيث أطالب بتحريم أو تجريم هذه الوجبات، فأنا أدرك تماما ضرورة اللجوء لكثير من الإجراءات ذات الطابع المادي (الاقتصادي السياسي) في حياة الإنسان اليومية، والوجبة السريعة كثيرا ما تكون ضرورية، بل وحتمية. ولكن عندما تتحرك هذه الإجراءات المادية إلى المركز وتصبح هي القاعدة والمعيار، نكون قد سقطنا في العلمانية الشاملة. وقد قرأت مؤخراً أن عدد الأقواس الصفراء، علامة ماكدونالد، يفوق عدد الصلبان في العالم الغربي!

وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة (فهي معظمها حلال)، تؤثر في وجداننا وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة! وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، مما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً هيمنة النموذج المادي على الوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟ ومع هذا، تُصر الصحف على أن «فلانة» المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. والمسـكينة لا عـلاقة لها بأية مرجعية، ولا أية قيمة ولا أية مطلقية، إذ أن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون فاتناً، ولكنه ولا شك محدود ونسبي. كما أن خبراتها مع أزواجها (رغم أنها قد تكون مثيرة) لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية (إلا إذا كانت رؤية مادية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية). وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة! وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع- ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.

ولنتخيل الآن إنساناً يلبس التي شيرت، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة البريفاب (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (هامبورجر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية) وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، وينام على سرير وظيفي، ويشاهد الإعلانات التجارية، التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله لمحلات الطعام التيك أواي ومنها على الشوبنج مول الذي يتسلع البشر ويداوم على مشاهدة الأفلام الأمريكية (إباحية أو غير إباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات، أفلن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار، إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟ قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.

ونحن حين نتحدث عن الحضارة المادية فنحن عادةً ما نتصور أننا نتحدث عن الحضارة الغربية وحدها، وهذا خلل ما بعده خلل، ففي الغرب يوجد كثير من المظاهر الإنسانية المتجاوزة لسطح المادة، ففي الغرب موتزارت وبيتهوفن والطعام الفرنسي وكثير من المظاهر المحتفظة بأصالتها وخصوصيتها.

إن المنتجات المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية، للخصوصية الغربية وللخصوصية الإنسانية. ولنقارن موسيقى الديسكو بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، و"التي شيرت" برداء الإنسان الغربي، ستجد أن منتجات هذه الحضارة المادية التي أسميها "ضد الحضارة" أنها حضارة غير منتمية لأي تشكيل حضاري أو اجتماعي. هي حقا بدأت في الولايات المتحدة لكنها ليست أمريكية، لأن الحضارة الأمريكية الحقيقية حضارة لها سماتها الفريدة، وهناك تقاليد حضارية أمريكية قامت هذه الحضارة الجديدة الضد بتقويضها. ولكن المشكلة أن كل هذه التقاليد وكل هذه الخصوصيات آخذة في التآكل بسبب المد الجارف للحضارة المادية، وهذه حضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.

كل هذا مقدمة لما حدث في عالم الرياضة. إن الرؤية المادية قد تغلغلت في كل مجالات الحياة. خذ على سبيل المثال عالم الرياضة. كانت ممارسة الرياضة في الماضي تهدف إلى تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وتسليتهم في الوقت ذاته، بحيث يقضون وقت الفراغ بطريقة متحضرة. كما أنها على مستوى آخر كانت تدريبا على الصراع الرقيق لتفريغ نزعات البشر العدوانية من خلال قنوات متحضرة. حينما كنت في مدرسة دمنهور الثانوية كان فريق كرة السلة من أهم الفرق على مستوى الجمهورية وكنا نصل للمركز الأول في بعض البطولات إن لم تخني الذاكرة. ولكن ما أذكره جيداً هو أن الأستاذ الحبروك، المشرف على الفرق الرياضية، كان ينصحنا أنه حينما كانت تأتي إحدى الفرق من المراكز المجاورة لنا، وهم عادةً كانوا أدنى منا في المستوى، كان يطلب منا ألا نهزمهم هزيمة ساحقة، بل أن ندعهم يحرزوا بعض الأهداف حتى لا يشعرون بالإحباط. وكنا نشجع فريق كرة القدم الخاص بدمنهور، ولكننا في الوقت ذاته كنا نشجع "اللعبة الحلوة" بغض النظر عن مصدرها. إن ما كان يهيمن علينا ليس النموذج المادي ولا النموذج الدارويني الصارم حيث يكون كل الناس إلا منتصراً أو مهزوم، ولا نموذج السوق وآليات العرض والطلب التي لا تعرف الله أو الإنسان، وإنما نموذج إنساني يقبل حتمية الاختلاف والصراع ولكنه لا يجعلها مرجعيته النهائية، إذ توجد قيم أخرى مثل التراحم والإيمان بإنسانيتنا المشتركة.

ولكن الرياضة انفصلت تدريجيا عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية ذاتها، ومنفصلة عن القيمة وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد. ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماما للرياضة واحترافهم. والاحتراف يتناقض تماما مع فكره التسلية وتزجية وقت الفراغ واللعب بطريقة إنسانية متحضرة، فهي تجعل الرياضة مركز الحياة. قابلت مرة أحد كبار لاعبي كرة القدم في الولايات المتحدة وهي مختلفة عن كرة القدم في بقية العالم. واللاعبون لابد أن يتمتعوا بلياقة بدنية فائقة، وأجسامهم يجب أن تكون ضخمة وعضلاتهم بارزة حتى يمكنهم تحمل الصدمات. المهم، فتح لي قلبه وتحدت عن بؤسه، وكيف يراقب المدرب كل جوانب حياته العامة والخاصة، فهو يراقب وجباته اليومية ويطلب منه أن يأكل كذا من البروتين وكذا من الخضروات، كما يراقب حياته العاطفية بل والجنسية. فهو لا يمكنه أن يخرج مع صديقته قبل المباراة بأسبوع، ولا يمكنه مضاجعتها أو مضاجعة زوجته. وهو لم يستخدم مصطلح "تشيؤ"، أي أن يتحول الإنسان إلي شيء، ولكن هذا هو أدق وصف لما حدث له. في المدارس الثانوية في الولايات المتحدة، تقوم فرق كرة القدم بدراسة تاكتيكات الفريق الذي سينازلهم من خلال أفلام فيديو يصورونها لمباراة سابقة له، كما يدرسون أداءهم بنفس الطريقة. هل هذا له علاقة بالتسلية وباللعب، أم أنه ينبع من نموذج مادي صراعي، يجعل الفوز وهزيمة الآخر هو الهدف الوحيد؟ ومن هنا تدفع المكافآت السخية لأعضاء الفريق الفائز. وتنتهي المباريات في الآونة الأخيرة بمعارك يُجرح فيها بعض الناس، بل وقُتل ضابط شرطة في إيطاليا بعد مباراة حامية الوطيس. كل هذا يعني هيمنة النموذج الصراعي وتراجع النموذج الإنساني التراحمي.

وقد اقتحمت أخلاقيات السوق عالم الرياضة فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا فى سوق النخاسة. ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال المحرك، الأول للإنسان الاقتصادي. ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات والأدوية المنشطة الممنوعة لتحقيق النصر. ويتقاضى أعضاء الفريق الفائز مبالغ طائلة مكافأة لهم، وهى مكافآت سخية على أدائهم، قد تصل إلى مرتب أستاذ جامعي لعدة سنوات. بل في إحدى الجولات الرياضية حصل كل عضو من أعضاء الفريق الفائز على (سيارة بي إم دابليو) وهذه قمة الأحلام العلمانية! أين كل هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟ لقد اقتحمت اقتصاديات السوق هذا القطاع تماما، وسيطرت عليه قوانين العرض والطلب والمادية وتم تشيئ الإنسان ونزع القداسة عنه وتحول إلى مادة استعمالية مرنة، ليس فيها من الإنسانية سوى الاسم، أي أن النموذج المادي الصراعي الدارويني قد ساد تماماً. هذه هي مأساة الحضري، الذي وقع صريع هذا النموذج، وسلك سلوكاً متسقاً معه، فهاجت الدنيا ضده؟ والسؤال هو: لماذا هذا الهيجان والتهيج، أليست المسألة مسألة عرض وطلب، وليست مسالة انتماء وطني وإنساني؟! وعلى أية حال بعد الهيجان استقرت الأمور داخل إطار الخصخصة وقبل النادي الأهلي التعويض المالي المناسب عن فقدانه إحدى أشيائه الثمينة.

والله أعلم



المسيري … رحلة من أجل الإنسان


علي قناة الجزيرة


المسيري الجزء الأول





المسيري الجزء الثاني




المسيري الجزء الثالث

الإنسان والشيء

الجمعة، 23 سبتمبر 2011


د.عبد الوهاب المسيري



نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمسة، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون. ولنضرب مثلاً بالتي شيرت T-Shirt الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضـي لسـتر عورة الإنسـان ولوقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة التي شيرت بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/ المادة، ثم تُوظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال) وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن التي شيرت أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.

ويمكن قول الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو برئ، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه وتصبغ وجدانه، شاء أم أبى. فإن قَطَنَ الإنسان في منزل بُنيَ على الطراز المعماري العربي والإسلامي فلا شك أن هذا سيزيده من ثقة في نفسه واعتزازه بهويته وتراثه. ولكننا لا نرى في كثير من المدن من العالم الإسلامي أي مظاهر أو آثار للرؤية العربية الإسلامية (إلا في المسجد) وبدلاً من ذلك أصبح المنزل عملياً وظيفياً، يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية، أي أنه مثل التي شيرت أصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق. وأثاث هذا المنزل عادةً وظيفي، يلفظ أية خصوصية باسم الوظيفية والبساطة، ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية (الرؤية المادية تفضل البساطة على الجمال المركب، ومن هنا عبارة "خليك طبيعي").

ونفس الشيء ينطبق على طعام التيك أواي أو السفاري، هو الآخر يعيد صياغة وجدان الإنسان. الناس هي التي تُعد طعامها بنفسها، ثم يتناولونها سوياً. هذا ما كان سائداً في كل أرجاء العالم بما في ذلك الغرب. أما ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، ويأكله المرء وهو يسير أو يجري، فهذه ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولابد أن نتنبه إلى الرؤية الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي، مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة.

إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأتنس بغيره. ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا" (أي سوياً) تشير إلى مجموعة القيم هذه. وأنا لست من الغباء بحيث أطالب بتحريم أو تجريم هذه الوجبات، فأنا أدرك تماما ضرورة اللجوء لكثير من الإجراءات ذات الطابع المادي (الاقتصادي السياسي) في حياة الإنسان اليومية، والوجبة السريعة كثيرا ما تكون ضرورية، بل وحتمية. ولكن عندما تتحرك هذه الإجراءات المادية إلى المركز وتصبح هي القاعدة والمعيار، نكون قد سقطنا في العلمانية الشاملة. وقد قرأت مؤخراً أن عدد الأقواس الصفراء، علامة ماكدونالد، يفوق عدد الصلبان في العالم الغربي!

وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة (فهي معظمها حلال)، تؤثر في وجداننا وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة! وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، مما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً هيمنة النموذج المادي على الوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟ ومع هذا، تُصر الصحف على أن «فلانة» المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. والمسـكينة لا عـلاقة لها بأية مرجعية، ولا أية قيمة ولا أية مطلقية، إذ أن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون فاتناً، ولكنه ولا شك محدود ونسبي. كما أن خبراتها مع أزواجها (رغم أنها قد تكون مثيرة) لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية (إلا إذا كانت رؤية مادية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية). وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة! وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع- ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.

ولنتخيل الآن إنساناً يلبس التي شيرت، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة البريفاب (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (هامبورجر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية) وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، وينام على سرير وظيفي، ويشاهد الإعلانات التجارية، التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله لمحلات الطعام التيك أواي ومنها على الشوبنج مول الذي يتسلع البشر ويداوم على مشاهدة الأفلام الأمريكية (إباحية أو غير إباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات، أفلن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار، إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟ قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.

ونحن حين نتحدث عن الحضارة المادية فنحن عادةً ما نتصور أننا نتحدث عن الحضارة الغربية وحدها، وهذا خلل ما بعده خلل، ففي الغرب يوجد كثير من المظاهر الإنسانية المتجاوزة لسطح المادة، ففي الغرب موتزارت وبيتهوفن والطعام الفرنسي وكثير من المظاهر المحتفظة بأصالتها وخصوصيتها.

إن المنتجات المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية، للخصوصية الغربية وللخصوصية الإنسانية. ولنقارن موسيقى الديسكو بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، و"التي شيرت" برداء الإنسان الغربي، ستجد أن منتجات هذه الحضارة المادية التي أسميها "ضد الحضارة" أنها حضارة غير منتمية لأي تشكيل حضاري أو اجتماعي. هي حقا بدأت في الولايات المتحدة لكنها ليست أمريكية، لأن الحضارة الأمريكية الحقيقية حضارة لها سماتها الفريدة، وهناك تقاليد حضارية أمريكية قامت هذه الحضارة الجديدة الضد بتقويضها. ولكن المشكلة أن كل هذه التقاليد وكل هذه الخصوصيات آخذة في التآكل بسبب المد الجارف للحضارة المادية، وهذه حضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.

كل هذا مقدمة لما حدث في عالم الرياضة. إن الرؤية المادية قد تغلغلت في كل مجالات الحياة. خذ على سبيل المثال عالم الرياضة. كانت ممارسة الرياضة في الماضي تهدف إلى تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وتسليتهم في الوقت ذاته، بحيث يقضون وقت الفراغ بطريقة متحضرة. كما أنها على مستوى آخر كانت تدريبا على الصراع الرقيق لتفريغ نزعات البشر العدوانية من خلال قنوات متحضرة. حينما كنت في مدرسة دمنهور الثانوية كان فريق كرة السلة من أهم الفرق على مستوى الجمهورية وكنا نصل للمركز الأول في بعض البطولات إن لم تخني الذاكرة. ولكن ما أذكره جيداً هو أن الأستاذ الحبروك، المشرف على الفرق الرياضية، كان ينصحنا أنه حينما كانت تأتي إحدى الفرق من المراكز المجاورة لنا، وهم عادةً كانوا أدنى منا في المستوى، كان يطلب منا ألا نهزمهم هزيمة ساحقة، بل أن ندعهم يحرزوا بعض الأهداف حتى لا يشعرون بالإحباط. وكنا نشجع فريق كرة القدم الخاص بدمنهور، ولكننا في الوقت ذاته كنا نشجع "اللعبة الحلوة" بغض النظر عن مصدرها. إن ما كان يهيمن علينا ليس النموذج المادي ولا النموذج الدارويني الصارم حيث يكون كل الناس إلا منتصراً أو مهزوم، ولا نموذج السوق وآليات العرض والطلب التي لا تعرف الله أو الإنسان، وإنما نموذج إنساني يقبل حتمية الاختلاف والصراع ولكنه لا يجعلها مرجعيته النهائية، إذ توجد قيم أخرى مثل التراحم والإيمان بإنسانيتنا المشتركة.

ولكن الرياضة انفصلت تدريجيا عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية ذاتها، ومنفصلة عن القيمة value free وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد. ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماما للرياضة واحترافهم. والاحتراف يتناقض تماما مع فكره التسلية وتزجية وقت الفراغ واللعب بطريقة إنسانية متحضرة، فهي تجعل الرياضة مركز الحياة. قابلت مرة أحد كبار لاعبي كرة القدم في الولايات المتحدة وهي مختلفة عن كرة القدم في بقية العالم. واللاعبون لابد أن يتمتعوا بلياقة بدنية فائقة، وأجسامهم يجب أن تكون ضخمة وعضلاتهم بارزة حتى يمكنهم تحمل الصدمات. المهم، فتح لي قلبه وتحدت عن بؤسه، وكيف يراقب المدرب كل جوانب حياته العامة والخاصة، فهو يراقب وجباته اليومية ويطلب منه أن يأكل كذا من البروتين وكذا من الخضروات، كما يراقب حياته العاطفية بل والجنسية. فهو لا يمكنه أن يخرج مع صديقته قبل المباراة بأسبوع، ولا يمكنه مضاجعتها أو مضاجعة زوجته. وهو لم يستخدم مصطلح "تشيؤ"، أي أن يتحول الإنسان إلي شيء، ولكن هذا هو أدق وصف لما حدث له. في المدارس الثانوية في الولايات المتحدة، تقوم فرق كرة القدم بدراسة تاكتيكات الفريق الذي سينازلهم من خلال أفلام فيديو يصورونها لمباراة سابقة له، كما يدرسون أداءهم بنفس الطريقة. هل هذا له علاقة بالتسلية وباللعب، أم أنه ينبع من نموذج مادي صراعي، يجعل الفوز وهزيمة الآخر هو الهدف الوحيد؟ ومن هنا تدفع المكافآت السخية لأعضاء الفريق الفائز. وتنتهي المباريات في الآونة الأخيرة بمعارك يُجرح فيها بعض الناس، بل وقُتل ضابط شرطة في إيطاليا بعد مباراة حامية الوطيس. كل هذا يعني هيمنة النموذج الصراعي وتراجع النموذج الإنساني التراحمي.

وقد اقتحمت أخلاقيات السوق عالم الرياضة فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا فى سوق النخاسة. ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال المحرك، الأول للإنسان الاقتصادي. ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات والأدوية المنشطة الممنوعة لتحقيق النصر. ويتقاضى أعضاء الفريق الفائز مبالغ طائلة مكافأة لهم، وهى مكافآت سخية على أدائهم، قد تصل إلى مرتب أستاذ جامعي لعدة سنوات. بل في إحدى الجولات الرياضية حصل كل عضو من أعضاء الفريق الفائز على سيارة BMW وهذه قمة الأحلام العلمانية! أين كل هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟ لقد اقتحمت اقتصاديات السوق هذا القطاع تماما، وسيطرت عليه قوانين العرض والطلب والمادية وتم تشيئ الإنسان ونزع القداسة عنه وتحول إلى مادة استعمالية مرنة، ليس فيها من الإنسانية سوى الاسم، أي أن النموذج المادي الصراعي الدارويني قد ساد تماماً. هذه هي مأساة الحضري، الذي وقع صريع هذا النموذج، وسلك سلوكاً متسقاً معه، فهاجت الدنيا ضده؟ والسؤال هو: لماذا هذا الهيجان والتهيج، أليست المسألة مسألة عرض وطلب، وليست مسالة انتماء وطني وإنساني؟! وعلى أية حال بعد الهيجان استقرت الأمور داخل إطار الخصخصة وقبل النادي الأهلي التعويض المالي المناسب عن فقدانه إحدى أشيائه الثمينة.

والله أعلم.

الحجاب بين الدين والمجتمع


د.عبد الوهاب المسيرى

لابد أن أبدأ هذا المقال بتأكيد أهمية الحوار بين أبناء الوطن الواحد وإلا سقطنا كلنا فى صراع يستنزف قوانا. ومن هنا الإصرار على التغيير والإصلاح الدستورى وإطلاق حرية تأسيس الأحزاب وإلغاء الأحكام العرفية حتى يمكن لكل ألوان الطيف السياسى أن تعبر عن الإرادة الشعبية دون خوف من البطش الأمنى ومن خلال حوار ديموقراطى سلمى. ولكن هذه الحرية، شأنها شأن أى شكل آخر من أشكال الحرية، ليست مطلقة، إذ أن أى تيار أو تنظيم سياسى يريد أن يشارك فى العملية السياسية الديموقراطية عليه أن يلتزم بقواعدا اللعبة، وبتداول السلطة، ولا يحاول أن يجلس على العرش مدى الحياة وكأنه امبراطور الصين العظيم. ولذا من الضرورى أن تُسن القوانين وتوضع الضوابط والآليات التى تضمن التزام الجميع بهذه القواعد.

كما أود أن أؤكد احترامى للسيد الوزير فاروق حسنى، فأنا معجب به عن بعد، فلم ألتق به سوى بضعة لقاءات قليلة قصيرة عابرة فى مناسبات رسمية. فأنا أعرف الجهود التى تبذلها وزارته فى عملية ترميم الآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية وبناء المتاحف وحماية الآثار الفرعونية من السرقة.

بعد كل هذه المقدمات أحب أن أتوجه إلى تصريحات السيد الوزير بخصوص الحجاب، وأنا مثله، ومثل الكثيرين من أبناء جيلى، لا أعرف الكثير عن الرأى الفقهى فى مسالة الحجاب. وحين أقول "الرأى الفقهى"، فأنا لا أتحدث عن "احتكار السلطة والتشريع" كما قد يظن البعض. فأنا كمتخصص فى النقد الأدبى، أدرك تماماً ضرورة أن يكون الناقد على إلمام بقواعد النقد ولغته وتراثه ونظرياته وآلياته حتى يكون مؤهلاً لأن يقدم رؤية مركبة مستندة إلى قراءة متفحصة للنص الذى يدرسه، وإلا كان نقده عبارة عن انطباعات متناثرة ذاتية. وأزعم أننى متابع جيد للحركة الفنية التشكيلية، ومعجب بأعمال كثير من الفنانين، ولكننى حينما يسألنى أحد الصحفيين عن رأيى فى هذا الفنان أو ذاك، فإنى أنبهه أننى لست متخصصاً، وأن ما أقوله هو رأى انطباعى لأننى غير مؤهل لإصدار حكم نقدى مركب. بعد كل هذه التحفظات أدلى برأيى باعتبارى أحد المهتمين الهواة وحسب. وهذه ليست دعوة لاحتكار السلطة النقدية وإنما توضيح لحدود أحكامى التى أصدرها فى هذا المجال.

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للنقد الأدبى والنقد الفنى، فلابد وأن نطبق نفس القواعد على أمر فى أهمية الشئون الدينية، أليس كذلك؟! لكل هذا سألت أحد أصدقائى عن الرأى الفقهى فى قضية الحجاب، وصديقى هذا ليس من رجال الدين ولكنه يعرف هذه الأمور أكثر منى فقال: "الحديث النبوي الأكثر شيوعاً حول شكل الحجاب وحدوده هو حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) للسيدة أسماء بنت أبي أبكر الصديق رضي الله عنهما، وهو بالمعنى: إذا بلغت المرأة المحيض، فلا ينبغي أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار عليه الصلاة والسلام إلى الوجه والكفين. هذه الرواية أو الحديث فيه ضعف من حيث أنه "منقطع"، أي أن الصحابي الذي روى عن السيدة أسماء مجهول.

ثم استطرد صديقى قائلاً: "بيد أن التوصيف العام لما ينبغي أن يُستر من المرأة – في رواية أسماء- متفق بشكل عام مع التوجيهات والأوامر القرآنية حول الموضوع. ومنها الآية التالية: "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" (سورة النور: 31). والجيوب هي الفتحات، فتحات العنق والصدر، والإبطين، والساقين. والخمر جمع خمار هي أغطية الرأس والصدر.

ومن الآيات الأخرى آية "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ..." (الأحزاب: 33)، وآية "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما" (الأحزاب: 59). والجلابيب، كما نعرف، هي القمصان الطويلة المسدلة إلى القدمين.

وقد استنتج صديقى من كل هذا ما يلى: "هذه الآيات مجتمعة تحدد الإطار العام للستر المنافي لتبرج الجاهلية والمانع للإثارة والاستفزاز الذي يختزل إنسانية المرأة وعقلها وشخصيتها ويلغي دورها الاجتماعي والإنساني إلى مجرد مصدر للاستفزاز الغرائزي". ويجب أن أشير إلى أن هناك من المدافعين عن الحجاب من يرى أنه بالفعل فرض ولكنه جزء من كل، وأنه فى إطار فقه الأولويات لا يعد أولوية كبرى، فهناك أولويات إسلامية أخرى مثل إقامة العدل فى الأرض والحرب ضد الفساد ومقاومة المستعمر..إلخ. وكما قال فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين: "الجميع يعلم أن الحجاب فريضة إسلامية، ومع هذا فالقضية أخذت أكثر مما تستحق. فمصر تعانى من مشاكل وأزمات أكبر وأخطر ألف مرة من الحجاب مثل الاستبداد والفقر والبطالة والفساد والتدهور الخطير فى التعليم والصحة."

وحيث أن الوزير فاروق حسنى ليس من المتفقهين فى أمور الدين مثلى، فأنا أصدقه تماماً حين قال إنه لم يكن يصدر حكماً دينياً. إذن، كيف يمكن تصنيف تصريحه أو دردشته (على حد قوله)؟ أعتقد أننى لن أجانب الصواب كثيراً حين أقول إنه كان يصدر حكماً ثقافياً حضارياً، فالتخلف مقولة اجتماعية حضارية، والجاهلية والردة تماماً مثل النهضة والاستنارة هى مصطلحات ذات مضمون ثقافى وحضارى غير دينى فى الخطاب التحليلى المصرى المعاصر. ولذا فلنتناول الموضوع من هذا المنظور!

إن من يصفون الحجاب بأنه مظهر من مظاهر التخلف يزنون كلماتهم، ووزير الثقافة واحد منهم. وحيث أنه يحاول أن يدفع هذا البلد فى طريق التقدم، فإنه بلا شك يعرف مؤشرات التقدم، ومن ثم يعرف أيضاً مؤشرات التخلف، وقد جعل الحجاب إحداها!

ولنحاول أن نحلل خطاب السيد الوزير وكل من يحذو حذوه. إنهم يتحدثون عن حرية التعبير والإبداع، باعتبارهما مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذه صيحة يطلقونها فى وجه كل من يتجرأ ويحتج على رأى ما. قد لا يعرف الكثيرون أن إحدى اهتماماتى هو تطور الأزياء، وبالذات أزياء النساء، إذ أحاول رصد تطورها كتعبير عن تطور الرؤية للإنسان فى الغرب. وقد لاحظت أن ملابس النساء تزداد فى الغرب انكماشاً يوماً بعد يوم من المينى سكيرت إلى المايكرو إلى البلوزة التى تكشف البطن demi-ventre إلى أن وصلنا إلى ما سماه أحد الصحفيين the well-undressed woman (أى المرأة قليلة الهندام، فى مقابل المرأة حسنة الهندام (the well-dressed woman. (ولعل أحسن ترجمة لهذه العبارة، هو عبارة عادل إمام الشهيرة "لابسة من غير هدوم"). وحين أخبرت أحد مصممى الأزياء عن اعتراضى على الأزياء التى لا علاقة لها بأى دين أو ثقافة أو ذوق، قال إن هذه أعمال فنية، وأن اعتراضى هذا يعد شكلاً من أشكال الرقابة على حرية الفكر والإبداع، هذا المطلق العلمانى الجديد. وهنا سألته: أليس من حق المجتمع أن يدافع عن نفسه ضد أى اتجاهات تفكيكية عدمية؟ وقد صُدم صاحبنا من هذا الطرح الذى لم يطرأ له على بال، لأنه لا يدرك (شأنه شأن المثقفين الذين يدافعون عن الحرية المطلقة للإبداع) أنها رؤية بورجوازية تجعل من الفرد مرجعية ذاته (تماماً مثل رأس المال الذى يتحرك فى السوق بكامل حريته لا يخضع إلا لقوانين مادية آلية غير إنسانية غير اجتماعية هى قوانين العرض والطلب والربح والخسارة). ولكن المجتمع ليس هو السوق، فالمجتمع كيان مركب متماسك يتسم بقدر من الوعى، وله أسبقيته على الفرد مهما بلغت درجة إبداع هذا الفرد، فالفرد ينتمى إلى المجتمع وليس المجتمع هو الذى ينتمى إلى الفرد، إلا إذا كان مجتمعاً شمولياً. إن بعض المثقفين الثوريين انساقوا وراء هذه الدعوة للحرية المطلقة للإبداع والمبدعين، دون أن يدركوا تضميناتها الفلسفية المعادية للإنسان وللمجتمع. عندئذ لزم مصصم الأزياء الصمت، خاصة وأنه كان يعرف أن خمسة من كبار مصممى الأزياء ماتوا منذ عدة أعوام، من مرض الإيدز، وكانوا جميعهم من الشذاذ جنسياً، فسارعت مصانع الأزياء بالتعمية على الخبر حتى لا تتأثر أرباحهم سلباً، أى أنهم أدركوا البعد غير الاجتماعى غير الأخلاقى غير الإنسانى لإبداع مصممى الأزياء، باعتباره إبداعاً لا ينتمى إلى المجتمع.

وهؤلاء الذين يدافعون عن حرية التعبير والذين جعلوا الفن مطلقاً، سحبوا الإطلاق من الدين وأى قيم مطلقة (أخلاقية كانت أم إنسانية) وجعلوا من الدين شأناً خاصاً، وأمر من أمور الضمير، وتصوروا أن الدين يوجد فى قسم خاص فى وجدان الإنسان منفصل تماماً عن عالم السياسة وعالم الاقتصاد وعالم الاجتماع الإنسانى، (وكأن الضمير الفردى لا علاقة له برقعة الحياة العامة). ولذا حين يتم تناول ظاهرة ما فهى إما أن تكون ظاهرة دينية أو غير دينية، انطلاقاً من تعريف العلمانية أنها فصل الدين عن الدولة (أى الدنيا ومجمل حياة الإنسان). ولكن هذا رؤية سوقية للعالم وللنفس البشرية، فالإنسان كائن مركب، وكذا الفعل الإنسانى. فالدينى يتداخل مع السياسى والاقتصادى والنفسى. وهنا يمكن أن نطرح السؤال التالى: الفدائى الفلسطينى الذى يذهب ليهاجم مستوطنة فلسطينية: هل يفعل ذلك لأسباب دينية أم أسباب اقتصادية أم أسباب اجتماعية أم نفسية؟ الرد السليم على هذا السؤال أن دوافعه مركبة، فهو حين يقوم بفعله الفدائى فإن ما يحركه هو كل هذه الدوافع مجتمعة. ويرى هؤلاء الذين يفصلون الدين عن بقية مجالات الحياة أنه لو ظهر فى الحياة العامة فإن هذا مظهر من مظاهر التخلف، وفى ذهنهم بطبيعة الحال المشروع العلمانى الغربى وما يسمى مشروع النهضة العربى الذى جعل شعاره اللحاق بأوروبا، بحلوها ومرها، وخيرها وشرها، وكأننا ببغاءات عقلها فى أذنيها. ومن هنا كان الاقتراح المشئوم الخاص بالاحتفال بالذكرى المئوية الثانية للحملة الفرنسية على مصر وغزو قوات الثورة الفرنسية لمصر المحروسة، باعتبار أن هذا هو بداية التقدم نحو الغرب والاستنارة على طريقة الغرب. لم يدرك هؤلاء أن الحملة الفرنسية على مصر هى بداية الاستعمار الغربى لبلادنا الذى يحاول تحطيم تراثنا وتحويلنا إلى مادة استعمالية يوظفها لصالحه. لقد تناسوا المقاومة النبيلة التى أبداها الشعب المصرى لهذا الاستعمار وتناسوا ثورة القاهرة الأولى والثانية التى اندلعت من الأزهر، كما تناسوا الأزهرى سليمان الحلبى الذى اغتال كليبر قائد الحملة، وعلماء الأزهر الذين رفضوا التعاون مع الاستعمار. لقد أخرجوا الحملة الفرنسية من سياقها التاريخى والاجتماعى المصرى والفرنسى، وحين يفعل أى باحث أو مفكر ذلك يصبح بوسعه فرض أى معنى يشاء على الظاهرة التى يدرسها، ولذا حولوا الحملة الفرنسة إلى مؤشر على التقدم وحولوا المقاومة (بالتالى) إلى مظهر من مظاهر التخلف. (وهذا لا يختلف كثيراً عما يفعله الغرب الآن مع المقاومة حين يسمى المقاومة الفلسطينية "إرهاباً"، ويصنف حزب الله وحماس والجهاد على أنها "منظمات إرهابية"، ولا حول ولا قوة إلا بالله).

وأعتقد أن أصحاب هذا الخطاب قد فعلوا شيئاً من هذا القبيل، حين جعلوا من الحجاب رمزاً للتخلف. فقد نزعوه من سياقه الاجتماعى والتاريخى والإنسانى، واستقوا مؤشرات التقدم والتخلف من النموذج الغربى. وهنا يمكننى ان اسأل هؤلاء: ماهى مؤشرات التقدم بالنسبة لهم؟ السؤال هنا خطابى، فالمؤشرات هنا واضحة وهو أن خلع الحجاب علامة على التقدم والاستنارة، أما ارتداء الحجاب فهو علامة على التخلف والردة والظلمة..إلخ. ولكن هل المسالة بهذه البساطة والسذاجة؟ فلنأخذ على سبيل المثال لا الحصر فتاة متبرجة متحررة ومستنيرة لا ترتدى الحجاب، ترتاد نادى الجزيرة أو أى نادى آخر، وتلعب التنيس بالشورت، وتلبس المايوه، وترتاد قاعات الديسكو، وتجيد التحدث بلغة أعجمية أو لغة عربية معظم مفرادتها إنجليش أو فرنش، تماماً مثل مذيعات قناة LBC (التى يطلق عليها بعض المصريين قناة "إلبسى" إشارة إلى المذيعات الجميلات اللبنانيات والتى تحاول بعض مذيعاتنا اللحاق بهن وبركب التقدم). مثل هذه الفتاة التى تتمتع بمستويات استهلاكية عالية ولا تعرف شيئاً عن مصر الحقيقية، مصر الفقراء والكادحين والمتعبين، ولا تشترك بطبيعة الحال فى أى حركة سياسية، هى أكثر تقدماً من فتاة محجبة تعيش فى مصر الحقيقية بين أهلها وتعرف همومهم، ولا تتمتع بمعدلات الاستهلاك الشيطانية التى أمسكت بتلابيب المجتمع المصرى والتى ستقضى على كل محاولات التنمية؟ وغالبية المحجبات يشاركن فى العمل العام، السياسى والمدنى. ألم يلاحظ المتحدثون عن الحجاب باعتباره علامة التخلف الوجود الملحوظ للمحجبات فى المظاهرات؟ ألم يشاهدوا الصورة التاريخية لبعض المحجبات وهن يصعدن على السلم الخشبى للوصول إلى لجنة الانتخابات وصندوق الاقتراع، بعد أن تصدى لهن رجال الأمن الحكومى؟ ألم يسمعوا عن تلك المحجبات اللائى اضطررن لخلع الحجاب حتى يمكنهن الوصول لصندوق الاقتراع؟ حينما أذهب إلى دمنهور (المدينة التى نشأت فيها) أرى المجتمع المدنى هناك فى غاية الحيوية والنشاط، وكثير من القائمين على بعض جمعياته (غير الرسمية وغير المعلنة) فتيات محجبات. أعرف إحدى هذه الجمعيات وتخصصها هو توفير أجهزة غسيل الكلى لمرض الفشل الكلوى. وتقوم تلك الفتيات المحجبات بجمع الأموال من القادرين، بل ومن بعض الأقارب المقيمين فى الولايات المتحدة لتمويل مشروعهم الخيرى. بالله عليكم، من هو أكثر تقدما، فتاة نادى الجزيرة المتحررة وأمثالها أم هؤلاء المحجبات؟

يجب أن يُنظر إلى الحجاب فى سياق اجتماعى وتاريخى، وإذا كان الدينى يختلط بالسياسى بالاقتصادى بالاجتماعى بالتاريخى كما أسلفت، فيجب أن ننظر للحجاب بهذه الطريقة. فمن ناحية يرى الكثيرون أنه فرض دينى، ولكن يجب ألا ننسى أنه أصبح أيضاً عرفاً اجتماعياً. ويرى علماء الاجتماع أن كل مجتمع له dress code شفرة أو لغة الملابس الخاصة به، وهى لغة، شأن أى لغة، أمر اجتماعى، فالمجتمع هو الذى يحددها وليس الأفراد. وينضوى تحت هذا ما يُكشف وما لا يُكشف من جسد الرجل أو جسد المرأة، وما يُلبس وما لا يُلبس فى كل مناسبة. هل كانت إحدى الفتيات تتجرأ على لبس بلوزة تكشف عن بطنها منذ عامين فى الشرق أو الغرب، والآن هل يجرؤ أحد أن يعترض على هذا الزى؟! ولذا فإن شكوى البعض من أنهن يضطررن إلى ارتداء الحجاب بسبب الضغوط "الدينية" عليهن، قد يكن على حق، وإن كن عليهن أن يدركن أن هذه الضغوط قد تكون دينية فى الأصل، ولكنها تحولت إلى عرف اجتماعى ومن ثم أصبحت الضغوط اجتماعية. هل تجرؤ سيدة أن تذهب إلى مأتم مرتدية فستاناً أحمراً بهيجاً، أو أن تذهب إلى عرس ترتدى فستاناً أسوداً حزيناً؟

والحجاب إلى جانب كل هذا تعبير عن التمسك بالهوية (أعرف بعض الصديقات العلمانيات اللائى تحجبن تمسكا بالهوية، وهو ما حدث أيضاً فى إيران أثناء الثورة الإسلامية ضد شاه إيران)، وهو كذلك تعبير عن مقاومة الاستعمار الأجنبى. وهناك كذلك الجانب الاقتصادى، فالحجاب دون شك تعبير عن رفض النموذج الاستهلاكى (نموذج الموضات وضرورة تبنى الجديد ونبذ القديم، بناء على أوامر القرد الأعظم فى باريس أو لندن أو إيطاليا). حينما عدنا أنا وزوجتى من الولايات المتحدة عام 1979، كان الانفتاح قد اكتسح مصر المحروسة، وكان راتبنا الشهرى لا يتجاوز 180 جنيه مصرى. وحين ذهبت زوجتى لشراء حقيبة وحذاء، وجدت أن مجموع ثمنهما هو 150 جنيه بالتمام والكمال (هذا أيام الرخص)، فعادت وقالت إن الفتيات فى مصر أمامهمن حل واحد من حَلَين لا ثالث لهما لمواجهة هذا التضخم: إما الحل التايلانى (أى أن يبعن أنفسهن كما حدث فىتايلاند) أو الحل الإسلامى، أى ارتداء الحجاب، وتنبأت بأن الأرجح هو انتشار الحجاب. وهى بذلك اكتشفت البعد الاقتصادى فى ظاهرة الحجاب، ولكنها لم تردها إليه، فهو بعد واحد ضمن أبعاد أخرى، لأنه لو كان البعد الاقتصادى هو البعد الوحيد الحاكم، فإن الحل التايلاندى أضمن وعائده أسرع. ولكنهن اخترن الحل الإسلامى لأن الاسلام هو الإطار المرجعى لجماهير هذا المجتمع (هو عقيدة بالنسبة للمسلمين وحضارة بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين) وهو الذى حماها من الاختراق الاستعمارى والاستهلاكى.

إن اختزال الحجاب فى البعد الدينى، ثم عزل البعد الدينى عن الابعاد الاجتماعية والانسانية الأخرى، فيه دليل على القصور التحليلى لمن حولوه إلى مؤشر على التخلف. حينما كنت صبيا فى دمنهور، ذهبت فى رحلة مدرسية إلى القاهرة، وبهرت بلافتات النيون، فقررت أن أجعل من عدد لافتات النيون مؤشرا على التقدم. وكنت أقوم بإحصائها فى دمنهور كل شهر، لأننى تصورت أنه كلما ازداد عدد لافتات النيون فيها، كلما ازدادت تقدماً واقتراباً من نموذج القاهرة المضيئة، (أى أوروبا). ولكننى نضجت واكتشفت اختزالية مؤشرى الصبيانى المضحك. جاء فى العهد الجديد (رسالة بولص الأولى للكورنثيين) ما معناه "حينما كنت طفلا، كنت أتحدث كالأطفال وأفكر كالأطفال، ولكننى بعد أن أصبحت رجلاً، تركت خلف ظهرى الأشياء الطفولية". فلماذا بالله يا إخوتى لا ننضج وننفض عن أنفسنا المؤشرات الاختزالية، وننظر لواقعنا بعيون لا تغشيها غشاوات أجنبية تعمينا عن رؤية الحقيقة الثرية المركبة بكل أبعادها المادية وغير المادية المتداخلة.

والله أعلم.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=39427



* هذا المقال نشر بجريدة المصري اليوم بتاريخ 2/12/2006

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=39427

إلقاء الحجارة في الضفة الغربية


د.عبد الوهاب المسيري

من المقولات التي لا يمكن للعدو الصهيوني مواجهتها مقولة العربي او الفلسطيني. فاعترافه بوجود العربي هو اعتراف ضمني يكذب أيديولوجيته من أساسها ولذا نجد الصهاينة يبذلون قصارى جهدهم في أن يزيلوا الوجود الفلسطيني تماماً لا من الوجود وحسب، وإنما من وجدانهم ووجدان الآخرين.

ويتبع الصهاينة. مناهج عديدة للوصول لهذا الهدف. فيسمون العربي بأنه متخلف (وبالتالي لا حقوق له)، أو أنه لا هوية محددة له (وبالتالي يمكن توطينه في أي مكان) أو أنه لا وجود له (ولذا قالوا عن فلسطين الآهلة بالسكان والتي كانت تعد من أزحم بقاع العالم: أرض بلا شعب، أي أرض خالية).

وكل هذه المناهج كانت تصلح للتعامل مع الفلسطينيين عن بعد، ولكن بعد حرب 1967 اختلت الأمور، وكان علي العدو الإسرائيلي أن يتعامل مع الفلسطينيين، وكان عليه أن يقاتل ضدهم وأن يحاول التصدي لمظاهراتهم وأن يهرب من رصاصاتهم، وأصبح من الصعب عليه أن ينادي بأنهم لا وجود لهم، وإلا بما يفسر تلك القلاقل التي يثيرها هذا العربي الغائب، ولذا لجا العدو، شأنه شأن كل المستعمرين، إلى تقسيم الفلسطينيين إلى أقلية مناضلة "سريرة" يسميها بالإرهابيين أو المتسللين أو المتشردين أو أتباع المنظمة (ولا يسمونهم قط بالفدائيين أو المدافعين عن الحرية) وأغلبية طيبة خيرة طيعة مستسلمة تستمع إلى أوامره وتنصاع لها. ويجب أن تنتبه إلى أن مثل هذه التقسيمات الساذجة بل والواضحة البلاهة ليست من قبيل التدليس على الآخرين وحسب ولا من قبيل خداع الرأي العام العالمي، بل هي قناعة إسرائيلية حقيقية، تحدد سلوك العدو وتفسر العديد من برامجه الفاشلة. ويظهر في الصحف الإسرائيلية من آونة لأخرى أنباء توحي بأنه "تم أخيرا السيطرة على الموقف سيطرة تامة" أو "أن المقاومة قد اجتثت تماما من جذورها" أو أن "أهل الضفة قد بدأوا يظهرون الثقة في القيادة الإسرائيلية الحكيمة الرشيدة" وقد امتلأت الصحف الإسرائيلية بأنباء عن نجاح غزو لبنان وعن أن القوات الإسرائيلية قد حققت ما تصبو إليه (وهم يسمون غزو لبنان "عملية سلام الجليل" ، وهكذا يصبح الفلسطيني الذي يدافع عن حقه إرهابيا، والصهيوني الذي يستولي على أرض الآخرين مدافعا عن السلام).

ومن أطرف الأمثلة على هذا الاتجاه التصريح الذي أدلى به الجنرال بنيامين بن اليعازر (الذي يشغل وظيفة "منظم الأنشطة في يهودا السامرة، أي الضفة الغربية) (الجيروساليم بوست 4 نوفمبر 1983) بأنه لاحظ أخيرا علامات وقرائن على ما سماه اتجاها مترددا أو حذرا نحو البرجمانية بين عرب الضفة والقطاع.

والبراجمانية تعني في نهاية الأمر التكيف مع الأمر الواقع وتقبله، والأمر الواقع هو القهر الإسرائيلي. وكي يرتدي مسوح الموضوعية قال الجنرال الصهيوني أن الوضع الآن مختلف عما كان عليه بين عامي 1978 و 1981 (حينما كان يشغل منصب الحاكم العسكري في الضفة الغربية).

وقد حاول الجنرال تفسير التغير الذي حدث بأنه يعود إلى هزيمة المنظمة في بيروت وانقسامها في طرابلس وإلى انشغال الدول العربية كل بمشاكلها ومصالحها. ثم أضاف أن 55% من كل الفلسطينيين في المناطق المحتلة وُلدوا بعد 1967 ولا يعرفون الأردن ورمزهم الأساسي هو منظمة التحرير، و40% منهم يذهب للمدارس والجامعات وقد سألته الجريدة كيف ينوي أن يكسب قلوب هؤلاء الشبان المرتبطين بالمنظمة, فكان رده متواضعا إذ قال إنه لن يحاول بطبيعة الحال أن يحولهم إلى مؤيدين للصهيونية وإنما سيساعدهم على حل مشاكلهم المحلية بأن ينشئ عددا أكبر من البنوك وأن يؤسس شركة استثمارية ولا داعي للحديث عن القضايا السياسية العريضة!

وهكذا ستحل إسرائيل المسالة الفلسطينية بتحويل انتباه الشباب الفلسطيني إلى أمور المال والدنيا بدلا من قضايا الوطن والأرض.

ولا يعدم الصهاينة أن يجدوا من يتعاون معهم ويؤازرهم ويقدم لهم العون والنصح والاستشارة.

فالولايات المتحدة الأمريكية التي تود التوصل إلى حل سريع ودائم وشامل للمشكلة الفلسطينية عن طريق تقوية قبضة الاحتلال الإسرائيلي وعن طريق فرض الكيان الصهيوني كأمر نهائي وجدت أن من الضروري مد يد المساعدة للجنرال بنيامين بن اليعازر ولذا تمت دعوته لزيارة الولايات المتحدة ليجتمع مع وزير الخارجية الأمريكية وكبار موظفي الوزارة ليبحث معهم عن كيفية تحسين مستوى معيشة العرب في الأراضي المحتلة (أي مزيد من البنوك) وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تساهم في التخفيف من حدة بعض جوانب الاحتلال الإسرائيلي ععن طريق المساعدات الفنية والتنموية. (وتأتي زيارة بن اليعازر ردا على زيارة وفد أمريكي رسمي قام بزيارة الضفة الغربية وبدراسة المشاكل التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي هناك) (الجيروساليم بوست 1 ديسمبر 1983) وتوجد عناصر أخرى من الفلسطينيين العرب تساند هذه المحاولات البرجمانية ولا تشغل بالها بمشاكل الوطن أو الأرض، وهذه العناصر ممثله فيما كان يسمى بروابط القرى، التي أصيبت بالسكتة القلبية أو ماتت دون أن يرثيها أحد (لا العدو ولا الحبيب).

ولكن بعد مرور عشرة أيام وحسب من تصريحات الجنرال المتفائلة، وجد نفسه يحضر اجتماعا مع وزير الدفاع لمناقشة أعمال الشغب والفوضى بالضفة الغربية، وقد صرح لـ معاريف (14 نوفمبر 1983) أن الحكومة لن تسمح بتدهور الأحوال (وهو الذي كان يتحدث عن التحسن الملحوظ) وقد انذر الجنرال أنه سيضع حدا لظاهرة إلقاء الحجارة ثم أضاف قائلا: ولكن هذا لن يتم إلا حسب معايير الدولة الصهيونية جيش الدفاع الإسرائيلي (وهذه المعايير المتحضرة لا تستبعد سد مداخل مخيمات اللاجئين أو أنشاء أسوار عالية مثل أسوار السجون وحول مباني المدارس، أو فرض ساعات طويلة من حظر التجول) ولكن حسب ما جاء في الجيروساليم بوست، باءت كل هذه المحاولات بالفشل ولم يظهر الفلسطينيون الذين وُلدوا في الأرض المحتلة، أي استعداد لتقبل الكيان الصهيوني ولعل الجنرال المتفائل قد قرأ هذه الافتتاحية التي اقتبسنا منها هذه المعلومة عن شباب الأرض المحتلة، خاصة وأنهم هم محط أمله ومصدر تفاؤله!

وبعد مرور أسبوعين وحسب من تصريحات الجنرال المتفائل كان جنرال آخر هو شلومو اليا، رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، يقوم بافتتاح مبني البلدية الجديد في أحدي مدن الضفة ، وقد اصطحبه في هذه الزيارة مصطفي دودين مؤسس روابط القرى. ولكن الجماهير الفلسطينية العنيدة لم بيد أي برجمانية أو اعتدال، لم تقابل أبطال البنوك والاستثمارات والقضايا المحلية بالزهور وإنما بالحجارة (الجيروساليم بوست 16 نوفمبر 1983). وقد اندلعت الاضطرابات في نفس اليوم في مدينة نابلس وأحاطت الجماهير الغاضبة بسائق تاكسي إسرائيلي وألقت عليه الحجارة مما أضطره إلى إطلاق النار عليهم، وألقى البوليس القبض على ثلاثة طلاب من جامعة النجاح.

ويبدو أن إلقاء الحجارة أصبح سلاحا أساسيا في يد الجماهير العزل من السلاح في الضفة الغربية. ولكن يجب أن تدري مدى أهميته في الحرب ضد المستعمر الاستيطاني الإحلالي فهذا المستعمر لا يود استغلالنا أو استغلال مواردنا الطبيعية وحسب (كما كان الحال مع الاستعمار الإنجليزي في مصر) وإنما يود استلاب الأرض والعيش فيها ينعم براحة البال والهدوء، كما أنه يود أن يسلبنا أسباب الحياة والاستمرار حتى نرحل عن الأرض ليحل محلنا فيها. وكما قلنا من قبل يتميز المستوطنون الصهاينة الجدد بأنهم أساسا من المرتزقة، الذين استوطنوا الضفة الغربية لأغراض اقتصادية نفعية ولذا بالمنظمة الصهيونية تدفع لهم الرشاوي الباهظة على هيئة منازل مريحة وطرق معبده خصيصا لهم ومدارس لأطفالهم حتى ينعموا بالعيش في هواء أرض الميعاد المكيف! ولذا فكل ما ينغص عليهم حياتهم هو في نهايته إحباط للمخطط الصهيوني. وبالفعل يبدو أن هذا السلاح، رغم ضعفه وبدائيته، قد أصبح سلاحا فعالا، ولذا نجد أن المحاكم الإسرائيلية قد حكمت على ساب عمره 17 عاما بالسجن لمدة ستة شهور وبالغرامة 30 ألف شيكل لإلقائه بالحجارة على الصهاينة (الجيروساليم بوست 22 نوفمبر 1983) (بل ويطالب ممثلو المستوطنين الصهاينة بتوقيع عقوبة السجن لمدة 25 عاما لمن يقذف الحجارة، وذلك في اجتماع حضره وزير الخزانة كوهين/ اورجاد (الذي يعيش في منزل فاخر في الضفة الغربية) والوزير تسيبوري والوزيرة سارة دورون. وقد قال ممثلو المستوطنات أن منظمة التحرير الفلسطينية لها اذرع ممتدة في الأراضي المحتلة تتلقي التعليمات من وراء الحدود بل ويطالب المستوطنون كذلك بتوقيع عقوبة الطرد على من يلقي بالحجارة (عل همشمار 14 ديسمبر1983). وفي اجتماع سابق ناقش المستوطنون الطرق اللازم اتخاذها للقضاء على ظاهرة إلقاء الحجارة وطالبوا بتدخل الجيش وقد قام المستوطنون بمظاهرة احتجاج قادها الحاخام موشيه ليفنجر (أحد زعماء الجوش ايمونيم) لإظهار استيائهم. كما اقتحمت جماعة أخرى من المستوطنين أحدى المدارس العربية وانذروا الناظر بتوقيع العقوبات عليه أن قام أي من تلاميذ مدرسته بإلقاء الحجارة (الجيروساليم بوست 22 نوفمبر 1983) بل أن بعض المستوطنين اقتحم إحدى المدارس بعد أن ألقت طفلة لا تتعدى العاشرة الحجارة عليهم. وتصل الماساة/ الملهاة ذورتها حينما نجد رئيس وزراء الكيان الصهيوني (الجيروساليم بوست في 24 يناير 1984) وقد اجتمع مع عضوي الكنيست من كتلة هتحيا ليخبرهما أن إلقاء الحجارة من أسباب قلقه العميق ويعد بأنه سيدرس القضية شخصياً كما قال أنه يجب اتخاذ الخطوات اللازمة لوقف هذه المضايقات خاصة على الطرق السريعة وقد أدلى بتصريحات مماثلة !

وهكذا يمكن القول أن تفاؤل الجنرال بن اليعازر كان من قبيل تهدئة الذات، وأن العدو الإسرائيلي قادر على خداع نفسه. بل أن خداعه لنفسه ضرورة لبقائه. ولذلك علينا إلا نقنع باقتباس ما يقول وكأنه الحقيقة وعلينا ألا نخاف من مخططاته لأنها هي الأخرى قد تكون من قبيل خداع الذات. هذا لا يعني بطبيعة الحال أن العدو لا يردد سوى الأكاذيب، ولكنه يعني إلا نندفع لتصديق كل ما يقول، وأن نحكم على كلماته بمحك الواقع.

والله أعلم.




* هذا المقال نشر بـ جريدة الرياض بالمملكة العربية السعودية 24 فبراير 1984 م الموافق 23 جمادى الأولى 1404 هـ في العدد 5724 السنة العشرون.

المسيري مجاهدا